الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
71
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
والذي عليه أكثر أهل الأصول : اشتراط اقتران المعجزة بالدعوى كما نبهت عليه في أوائل الكتاب ، ويأتي تحقيقه - إن شاء اللّه تعالى - في المقصد الرابع . وهو المراد بقوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ « 1 » وقد قيل المراد بالشرح في الآية ما يرجع إلى المعرفة والطاعة . ثم ذكروا في ذلك وجوها منها أنه لما بعث إلى الأحمر والأسود من جنى وإنسي أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم ، وانفسح صدره حتى اتسع لجميع المهمات ، فلا يقلق ولا يضجر بل هو حالتي البؤس والفرج منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف . فإن قلت : لم قال : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ولم يقل : قلبك . أجيب : بأن محل الوسوسة الصدر ، كما قال تعالى : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ « 2 » فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعى الخير هي الشرح ، لا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب . وقد قال محمد بن علي الترمذي : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذي يقصد الشيطان ، يجئ إلى الصدر الذي هو حصن القلب فإذا دخل مسلكا أغار فيه وأنزل جنده فيه وبث فيه الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذ ، ولا يجد للطاعة لذة ، ولا للإسلام حلاوة ، وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن وزال الضيق وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية . وهاهنا دقيقة : « قال اللّه تعالى حكاية عن موسى : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي « 3 » وقال لنبينا محمد - صلى اللّه عليه وسلم - : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ « 4 » أعطى بلا سؤال ، ثم إنه تعالى نعته - عليه السّلام - فقال وَسِراجاً مُنِيراً « 5 » فانظر إلى
--> ( 1 ) سورة الشرح : 1 . ( 2 ) سورة الناس : 5 . ( 3 ) سورة طه : 25 . ( 4 ) سورة الشرح : 1 . ( 5 ) سورة الأحزاب : 46 .